أنا الدمشقيّ كريم عربجي


كريمتوفي في مثل هذا اليوم المدون السوري الشاب كريم أنطون عربجي عن عمر 32 سنة بعد وصوله إلى بيروت الجمعة 3/3/2011 قادماً من دمشق، في ظروف يكتنفها الغموض الشديد، وكان كريم عربجي قد اعتقل من قبل المخابرات السورية عام 2007، وذلك على خلفية مشاركته في إدارة منتدى أخويّة على شبكة الانترنت، وتمت محاكمته أمام محكمة أمن الدولة العليا بدمشق التي حكمت عليه عام 2009 بالسجن لمدة ثلاث سنوات بتهمة “نشر أنباء كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة”.

وفي عام 2010 أفرجت السلطات السورية عن عربجي بعد صدور قرار عفو خاص من “الرئيس السوري” بشار الأسد، اعتقل كريم عربجي على خلفية نشره لقصيدة كتبها لمعايدة صديقه المعتقل دياب سرية.

لو أنّ كريم أنطون عربجي لم يزل حيّاً إلى اليوم لكان في مثل عمري، بيننا عدة من أشهر فقط! لكن شاءت يد بطش الأسد أن يبق كريم في 32 إلى الأبد رغم مضيّ أربع سنوات على غيابه، في مثل هذا اليوم من عام 2011.

5553599035_8476c60b85_b

آخر تدوينات كريم عربجي قبل استشهاده، يوم الجمعة، 4 آذار 2011

يحدث فقط في بيروت

كمال شاب هندي، يعمل لدى عائلة أقربائي منذ سنوات في الخليج العربي، أمين، حسن الطباع، طيب المعشر.

منذ فترة انتقل أقربائي إلى بيروت، ليعيشوا فيها. و منذ شهر، لحق بهم كمال.

قبل عدة أيام، أراد كمال أن يحلق شعره، فأخذته و نزلنا إلى حلاق قريب من منزل أقربائي الذين أقطن عندهم، كنت قد تعوّدت في الفترة الأخيرة أن أحلق عنده. حيّاني بحرارة كالعادة، و لكن ما أن علم أن كمال هو زبونه الجديد، حتى بدأ يعتذر و يتعذّر بانشغاله طول اليوم.

سألته: هلّا جعلت له موعدا في الغد؟ و هنا أخذني على جنب و أجابني: لا أستطيع، أخشى أن ينزعج زبائني، أرجوك أعذرني و لكني لن أحلق لكمال.

لم أصدّق ما سمعت أذناي، و من هول الصدمة تراجعت بدون أن أنبس ببنت شفه، و نظرت إلى المسكين كمال و قلت: حلّاقي مشغول جدا الآن، سنجد غيره.

و تكرّر الرفض (بجفاصة و عدم احترام لمشاعر كمال) مع أربعة حلّاقين آخرين في المنطقة التي أقطن بها، و كدت أن أتعارك مع آخرهم، إذ لم أتحمّل و صرخت: عيب! إن لم تكن هذه هي العنصرية فماذا تكون؟!

و هنا، كالني بالسباب و الشتائم، عليّ و على الذين خلّفوني، و توعّدني بالويل و الثبور و عظائم الأمور… يا له من وغد!

في الخليج، لم يعان أقربائي هذه المشكلة، فالحلّاقين الهنود متوفرين بكثرة. أمّا هنا في لبنان، فجميعنا حديثوا العهد في البلد. فقرّرت أن أنزل في اليوم التالي إلى منطقة الدورة، مصطحبا معي كمال المسكين، علّنا نعثر على حلّاق “ابن أصل” يقبل أن يمارس مهنته بشرف، و بدون اعتبارات عنصرية.

و على قراري هذا، خرجت من منزلي قاصدا مقهى في “جونية”، كنت قد واعدت بعض الأصحاب أن نلتقي فيه.

و نحن هناك، قصصت على أصحابي حكاية كمال و قصة شعره. و أبدى الجميع استهجانه، و أطلقوا نفس عبارات الشجب و الاستنكار و التنديد و الإدانة التي نسمعها عادة في مقررات قمم جامعة الدول العربية.

و صرخ أحد الروّاد من طاولة قريبة: ” بيكونوا هالحلاقين كلهم عونية”، و هنا صرخ آخر: ” بل جميعهم من القوّات، و هذه المنطقة معروفة أنها كلها قوّاتجية”، ليصرخ ثالث: ” بل هم عونية أشقياء، فهذه هي أخلاق العونيين”….

و كادت، سيداتي و سادتي الأكارم، أن تندلع حرب الإلغاء مرة أخرى، هذه المرة بسببي أنا و كمال. (حرب الإلغاء: آخر الحروب الأهلية اللبنانية، قامت بين المسيحيين الموالين لعون، و المسيحيين الموالين لجعجع ).

و لكن، من حلاوة الروح ربّما – و قبيل لحظات من اتخاذ قرار الهرب لأنجو بجلدي – صرخت بلهجتي الشامية: ” يا جماعة الخير، طيب عال، كتير منيح، حدا يعطيني رقم تلفون شي حلاق ابن حلال، خلّونا نعرف نحلق للدرويش”.

و كأن الله أراد أن يثبت لي صحة النظرية القائلة: “وحدهم السوريين، قادرين على حلّ مشاكل اللبنانيين، و لكن لمصلحتهم”.

فقد هدأت الأمور في المقهى فجأة، تماما كما ثارت فجأة، بل و انهالت عليّ أرقام التلفونات، و تباروا من يدلّني على حلاق أقرب إلى مسكني، و لا يعاني من مرض العنصرية، و أكدوا لي أنهم سيتوصّون بي و بكمال.

و بالفعل، فقد قمت في اليوم التالي بعمل اتصال لحلاق قريب من مسكني، و رحب بي و بكمال و تواعدنا، و حلقت عنده أنا و كمال.

و سبحان من يجعل في شجرة اللوز لوزان… أحدهما حلو، و الآخر مرّ.

http://goo.gl/4vnzPY

__________________________________________

مؤنس بخاري

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s