حبيس نافذة


عندما احتُبست خارج سوريا للمرة الأولى كنت في بيروت، شاءت المصادفات أنني غارت دمشق حينها دون وداع… هكذا في سيارة باكراً جداً من بيتي أسقطتني في بيروت، وكنت أحسب نفسي عائداً خلال أسبوع أو أسبوعين… منذ 2011.

أقمت في بيروت كأنني على جدار أرقب أرضي دون قدرتٍ على القفز لأحط بقدمي سطحها، متحيّناً الفرصة للقفز، مدركاً في داخلي أنّني قد لا أقفز مجدّداً إلّا إلى الجهة المقابلة خلف الجدار… وجاءت الأيام واضطررت لمغادرة بيروت ولبنان كله لأطير إلى الأردن.

حينها التصق قلبي بنافذة الطائرة، ورفضت طلب المضيفة أن أغلق ساتر النافذة وسايرتني… فهذا بحرنا! وهذه تلك شواطئنا! أهذه دمشق من بعيد؟ أشوارع شراييني هذي التي تلمع في الأسفل هناك؟ وعبرت لا أدري من أين لأحطّ في عمان.

مجدّداً تكرّرت سفراتي ما بين استانبول وعمّان، وفي كل مرة يفرح قلبي أنّني عابر سماء بلدي فألتصق بنافذة الطائرة… هذي جبالنا! وهذي سهولنا! وهذي مدن وقرى بلدي.. ويبتلعني البحر، ولكم تمنّيت لو يحطّ ولو كرسيّي وحده في ذلك البحر.

اليوم خفتت في نفسي كل رغبات السفر جوّاً، فلم يعد هواء بلدي ما يحملني في طائرة… اليوم لا أراها ولا تلثمها عيوني، وإن سافرت أطلبه ليلاً فلا رغبة في نفسي لنظرة من نافذة طائرة… اليوم أنا بعيد عن حدود بلدي في المانيا بُعد أهلي عن العدالة والكرامة والحريّة، اليوم أنا أعيش في بلاد الحرية والعدالة، بلا طعم ولا رائحة، وبلا كرامة، فكرامتي مرهونة هناك بين أيدي الشيطان الجاثم على جبال بلدي.

__________________________________

مؤنس بخاري، برلين

Stitched Panorama

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s