القصف العشوائي، الاستراتيجية العشوائية


يُعتبر القصف العشوائي من أشنع أدوات الحرب وتقنيّاتها، ويسمّى القصف العشوائي اصطلاحاً عسكريّاً بالقصف “الاستراتيجي”، حيث يستهدف هذا النوع من القصف مساحات واسعة تحتوي على مناطق حيويّة، كخطوط المواصلات والطاقة والاتصالات، وأحياء المدن المدنيّة وسلاسل الجبال. وأقبح أهداف القصف العشوائي هو إضعاف قوّة العدوّ من خلال إيقاع أكبر قدر ممكن من القتلى في صفوف المدنيّين، على عكس القصف “التكتيكي” الذي يستهدف مناطق عسكريّة بغرض إيقاع أكبر قدر من القتلى في صفوف القوّات المقاتلة أو تدمير منشآت عسكريّة بهدف إضعاف قدرات الصناعة الحربيّة للعدوّ حتى القضاء على المؤسّسة العسكرية.

 TOPSHOTS-SYRIA-CONFLICT-CLASHES-HOMS

رغم أن القصف العشوائي اعتبر تكتيكاً عسكريّاً مبرّراً منذ الحرب العالمية الأولى إلّا أنّه لم يدخل القواميس العسكرية قبل نهاية الحرب العالمية الثانية حين سمّي اصطلاحاً “القصف الإرهابي” من قبل المؤرخين الأمريكان الذين دوّنوا لأحداث الحرب العالميّة الثانية. حيث اعتبر مؤرّخو الحرب العالميّة أن القصف الإرهابي هو الاستراتيجيّة العسكريّة المستخدمة في الحرب الشاملة بهدف هزيمة العدوّ من خلال تدمير معنوياته بحيث يصبح السلام أو الاستسلام هو الخيار الأفضل لدى العدو بدلاً من استمرار الصراع.

في واقع الأمر استخدم مدوّنو تاريخ الحرب العالميّة الثانية مصطلح القصف الإرهابي لتحقير العديد من حملات القصف والغارات العشوائيّة، بينما فضّلت المصادر الرسمية في حكومات دول الحلفاء استخدام مصطلح “كسر الإرادة” في توصيف القصف العشوائي، بمعنى أن هذا القصف هو سلاح تدمير الروح المعنوية لدى العدوّ، واعتبرته قلّة سياسيّة من أسلحة الدمار الشامل.

القصف الاستراتيجي، أساسات المصطلح

عسكريّاً يتم التمييز ما بين ثلاثة أنواع من العمليّات القتاليّة التي تشمل على قصف، فمنها التكتيكي والعمليّاتي والاستراتيجي، ويمكن فصل تعريف وأنماط كل من هذه الأنواع بوضوح، فهي منهجيات متمايزة تستخدم عادة لأغراض مختلفة تماماً.

القصف الاستراتيجي هو منهجية متميزة عن كلّ من القصف التكتيكي واتّباع أصول الاستراتيجية الجوية في العمليّات وإمكاناتها.

تنطوي هذه الاستراتيجية في القصف عادة على هجمات متواصلة خلال فترة طويلة نسبياً من الوقت على الأهداف التي تؤثر على القدرات الشاملة لصناعات العدو، بحيث لا تعود قادرة على خدمة الصناعة الحربيّة، مثل المصانع والسكك الحديدية ومصافي النفط والموارد المختلفة الأخرى. وفي حالات قليلة كُلّفت قاذفات القنابل بقصف سدود الري والطرق الواصلة إليها.

كما يهدف القصف الاستراتيجي إلى تقويض قدرة دولة العدو على شنّ الحرب، حيث تنتشر قاذفات القنابل في سماء معظم أنحاء تلك الدولة وكل ما فيها، وهكذا تتوسع عمليّات القصف أكثر وتميل الطائرات القاذفة لتكون أكبر، خصوصاً إذا ما استخدم القصف الاستراتيجي لدعم العمليّات العسكريّة الرئيسيّة على البر، كما تمّ مثلاً في عملية عزل نورماندي من خلال قصف محاور النقل والمواصلات في يوم عبور قنال المانش ومن خلال قصف خطوط الجبهة في طلعات دعم للتقدم البري شملت جميع أنحاء شمال فرنسا عام 1944.

أحد وسائل الحرب هو إضعاف معنويات العدو، حيث أنّ مواجهة الموت والدمار باستمرار قد يجعل من احتمالات استسلام العدوّ أكبر. أنصار القصف الاستراتيجي بين الحربين العالميّتين، مثل الجنرال دوهيت، كانوا على قناعة بأن الهجمات المباشرة على مدن دولة معادية باستخدام القاذفات الاستراتيجيّة من شأنه أن يؤدي إلى الانهيار السريع لمعنويّات المدنيّين، بحيث يضغط الشعب مطالباً بالسلام ما يؤدي إلى تسريع نتائج الحرب.

معارضو القصف الاستراتيجي يرون أن القصف الاستراتيجي قادر على تدمير مبنى مصنع بأكمله ولكنه قد لا يدمّر المكونات الحيويّة للمصنع، لكنه في المقابل سيوقع عدداً كبيراً من الضحايا سيكونون على الأغلب من المدنيّين. بالإضافة إلى ذلك فإن قصف منطقة بكاملها سيكون له تأثير نفسي كبير على جميع سكان مدينة تلك المنطقة، وقصف المدن في الحرب العالمية الثانية بث الرعب في جميع مواطنيها، رعب دام لعقود ما بعد الحرب.

القصف الإرهابي هو المصطلح العاطفي الذي يعبّر عن الهجمات الجوية الهادفة لإضعاف أو كسر معنويات العدو. استخدم هذا المصطلح للإشارة إلى جرميّة الهجمات الجويّة العشوائية وللفت الانتباه إلى وجوب اعتبار القصف العشوائي جريمة حرب وفقاً لقانون الحرب، أو على الأقل جريمة أخلاقية.

وفقاً لجون آلجيو John Algeo مؤلف قاموس الكلمات الجديدة في الإنكليزية 1941-1991، أوّل استخدام مسجل لمصطلح “القصف الإرهابي” في المنشورات ضمن الولايات المتحدة الأميركية كان في مقالة نشرتها ريدرز دايجست في شهر حزيران 1941، استنتاج أكده قاموس أوكسفورد الإنكليزي.

القصف العشوائي، سوريا منذ 2011 وحتى 2014

في سوريا استخدمت قوات الجيش العربي السوري الموالية للأسد تقنيات القصف الاستراتيجي (العشوائي) بشكل واضح وواسع منذ ثار الشعب على نظام حكم الأسد عام 2011، حيث قامت الأسلحة الثقيلة والمتطورة من طرف الجيش العربي السوري بقصف واسع ومستمر شمل العديد من المدن السورية، كردّ على تمرّد قطاعات واسعة من الشعب على سلطات نظام الأسد وخروج الناس في مظاهرات كبيرة تطالب بإسقاط الرئيس بشار الأسد وجميع قيادات نظامه الأمني.

قصفت قوات الجيش العربي السوري أحياء المدن السوريّة وقراها في تكتيكات مشابهة لما قامت به طائرات الحلفاء في تعاملها مع مدن وبلدات المانيا نهاية الحرب العالمية الثانية، فدمّرت البنى التحتيّة والمصانع وخطوط الاتصالات وطرق المواصلات ومحطات الطاقة الكهربائية، ما أدى طبعاً وبسبب ارتفاع أعداد الضحايا من المدنيين إلى نزوح أعداد هائلة من الشعب السوري عن مساكنه وقُراه.

حقيقةً استخدمت القوّات الموالية لنظام الأسد استراتيجية “كسر الإرادة” بإصرار واضح وخطوات منظمة، لكسر إرادة الشعب السوري وتدمير روحه المعنويّة، وانشغلت قطاعات واسعة من الشعب السوري في صراعات غرضها البقاء، أبعد بكثير عن الصراع في سبيل الحريّة السياسيّة والاجتماعيّة عن هيمنة نظام شموليّ، قد يفتح التخلص منه الباب واسعاً أمام فرصة تحقيق دولة مدنيّة تحقّق العدالة لجميع سكانها.

المناطق التي تم تدميرها في سوريا بنسب كبيرة نتيجة القصف العشوائي أصبحت غير قابلة للحياة بعد تدمير البنى التحتية والخدمات، حيث تراوحت نسب الدمار من 80% في مناطق العاصمة دمشق وضواحيها إلى نسبة قريبة من 100% في بعض المدن القديمة داخل المدن السورية كحمص وحلب وأغلب أنحاء دير الزور.

القصف الاستراتيجي، أوروبا الحرب العالمية الثانية

القصف الاستراتيجي خلال الحرب العالمية الثانية هو سلسلة من عمليات القصف الجوي ذات الطبيعة الاستراتيجية تمّت خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1939 و1945 لتشمل كل العمليات الجويّة التي قامت بها الحكومات المشاركة في الحرب العالمية الثانية وحملت هدفاً استراتيجيّاً محدّداً، مثل القصف المتواصل لمحطات القطارات والموانئ والمدن والمناطق السكنية وبعض المناطق الصناعيّة داخل حدود الدول المعادية، وتم الاعتماد على استراتيجية التفوق الجوي والتي تُقِر بإمكانية تحقيق الانتصارات الكبرى عن طريق مهاجمة البنية التحتية السياسيّة والصناعيّة دون الحاجة لمهاجمة الأهداف العسكرية بصورة مباشرة.

ومع اتساع دائرة القتال، تبادلت قوات المحور والحلفاء عمليات القصف للأهداف ذات الطابع الاستراتيجي وخاصة الصناعيّة والعسكريّة منها على حدّ السواء، كما امتدّ القصف ليشمل المدن والتجمّعات السكّانية في مراحل متقدّمة من الحرب كجزء من الحرب النفسيّة بهدف إضعاف الروح المعنوية للقوّات المعادية وإفقادها الرغبة في القتال والأمل في النصر، وفيما بين عامي 1940 و1941 استخدمت ألمانيا هذا الأسلوب أثناء البليتز ضد بريطانيا، وبدءًا من عام 1940، تصاعدت وتيرة الهجمات البريطانيّة ضدّ المدن الألمانيّة، حيث أصبحت الغارات الجويّة أقلّ تحفّظاً عن ذي قبل، مستهدفة أهدافًا صناعيّة ومناطق سكنيّة، بعد أن كانت قد اقتصرت سابقاً على الأهداف العسكريّة، وبحلول عام 1943 دعّمت الولايات المتحدة من هذا التوجّه، حيث قامت القوات الأمريكيّة بشن غارات واسعة النطاق ضد هامبورغ عام 1943، ثم درسدن عام 1945 قبل أن تتبعهما باقي المدن الألمانية إلى نفس المصير في الأشهر القليلة المتبقية من الحرب، من جانبه، اختلف مردود القصف الاستراتيجي بحسب طول مدته وكثافته، وعلى الرغم من ذلك، فشل كلّ من اللوفتڤافه وسلاح الجو الملكي في توجيه ضربة حاسمة للجانب المنافس عن طريق إضعاف الروح المعنوية، وإن ساهمت حملات القصف الاستراتيجي في تقليل حجم والقدرات الإنتاجية للدول.

____________________________________________

مؤنس البخاري، برلين

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s