اللاجئون غرقاً


مؤنس بخاري- بناة المستقبل ع12/أيلول 2014

تنهار جدران سوريا على ساكنيها من بعد أن سقطت الأسقف أساساً تحت ثقل نظام حكم جلف لا يرحم، وأعداء يزحفون من كلّ أرض لكأنّما باتت سوريا هي أرض المحاربين الموعودة، جنّة نعيم صنّاع الحروب يتقاطرون من كل أنحاء العالم، مستثمرين أقصى طاقات العدوان والإجرام لكأنّ القتل والتقاتل ميدان لعب لا ميدان موت.

هكذا تتحوّل سوريا بحدودها المفتّتة إلى الأرض الأخطر على حياة الإنسان في كوكب الأرض، وهكذا تسيل سيول فيض السوريين لاجئين خارج حدود بلدهم الملتهب، هكذا وبنفس ثقل وصف “الأرض الأخطر” تصدمنا أرقام أعداد اللاجئين الفارّين من جحيم الحرب، طالبي الأمن والسلامة على أي أرض كانت.

مؤخراً، أعلنت مفوضية اللاجئين من منظمة الأمم المتحدة أن أعداد من جمعت سجلاتها أسماءهم وقد خرجوا من بيوتهم في سوريا حتى كانون الثاني الماضي 2014 قد بلغت 9180368 شخصاً، رقم تجاوز التسعة ملايين من سكان سوريا. ما يعني أنه من أصل 21 مليوناً هم سكان سوريا قبيل ثورة الكرامة 2011، فإن 43% منهم قد صاروا لاجئين.

بينما تجمع دول جوار سوريا أغلب أعداد اللاجئين السوريين على أراضيها، فإن دول الاتحاد الأوروبي وبطبيعة الحال تبق الهدف الأبرز لعدد لا يستهان به من السوريّين، سيّما وأن بعضاً من دول الاتحاد قد فتحت باب الإلجاء للسوريين، وسنّت قوانين تساعد السوريّ الواصل إلى أراضيها على البقاء فيها والحصول على رخصة إقامة لجوء تصل أحياناً حتى ثلاث سنوات.

وإلى جانب تطوير وتعديل القوانين المحليّة، فإن بعض دول الاتحاد الأوروبي قد تعاونت فعلاً مع مفوضية اللاجئين التابعة لمنظمة الأمم المتحدة لنقل بعض اللاجئين السوريين المسجلين في سجلاتها والمقيمين في دول الجوار السوري إلى أراضيها الأوروبية، فسحبت عدة آلاف من اللاجئين في لبنان والأردن إضافة إلى مصر.

لكن، وبسبب بطيء إجراءات الإلجاء الرسميّة وضيق البوابة الأوروبية أمام فيض اللاجئين السوريّين، فضّل آلاف آخرون من السوريّون خوض غمار البحر والمخاطرة بأنفسهم في عبور غير قانوني وبمراكب غير مناسبة للسفر، تنقلهم ما بين ضفاف المتوسط، من تركيا إلى اليونان أحياناً أو من ليبيا إلى إيطاليا غالباً.

وبينما تتلاعب أمواج المتوسط بتلك المراكب الصغيرة التي تُغرق بعضها وتترك بقيّتها تصل إلى وجهتها بسلام، يَغرق الآلاف من السوريين في قلب البحر الأبيض المتوسط، ذات البحر الذي كان ذات مرّة بحيرة سوريّة تتجوّل على سطحه السفن الفينيقيّة ناقلة البضائع والمسافرين ما بين كلّ الضفاف دون عائق إلا عنف الرياح وجنون البحر.

10712451_10154874589480727_6442091208452333775_o

ما بين ضفّتين

هذا العام 2014 وحتى شهر آب الفائت وصل الضفاف الأوروبية 130.000 سوريّ عابرين البحر المتوسط، حطّ أغلبهم (118.000) على البرّ الإيطالي بعد عمليّات إنقاذ نفذتها البحرية العسكريّة الإيطاليّة ما إن تستشعر بوجود بشر تحملهم الأمواج فرادى في عرض البحر قبالة سواحلها، بطبيعة الحال لا تتمكن البحرية الإيطالية من إنقاذ الجميع، ليكون الغرق مصير المئات وربما الآلاف.

إلى جانب مخاطر المراكب الصغيرة الغير مناسبة لعبور المتوسط، يهدّد حياة السوريّين في عرض البحر جشع من مهرّبين بلا رحمة، مجرمين استوردهم الحاضر من ماضٍ غارق بمجازر تجار العبيد ودمائهم المزرقة في قلب البحر. حيث يشترط المهرّب غالباً رمي حمولته في البحر قبالة السواحل الإيطالية دون الاقتراب منها، خشية المساءلة القانونية أو الملاحقة الجنائية.

هنا يكون على اللاجئ السوريّ الذي اشترى الخطر من حُرّ ماله أن ينتظر عائماً في عرض البحر انتباه البحرية الإيطالية ومن ثم وصولها إليه لإنقاذه، انتظار قد يدوم ساعات وقد يطول أيّاماً، قد تعاجله مع الانتظار موجة عاتية أو مفترس خارج من الأعماق أو تخرّب العوامات التي تحمله وأمتعته، وأفراد أسرته غالباً.

في حين يصل أغلب المغامرين إلى الشواطئ الإيطالية في الزمن المقدّر سلفاً للرحلة، يعاني البعض من متاعب ومخاطر مختلفة قد لا يُحسب حسابها سلفاً، كضياع أو تعطل المراكب في عرض البحر، فيكون لزاماً على الركّاب انتظار أيام وأسابيع تنفذ فيها المياه والمؤن الغذائية، ما يعني الموت عطشاً وجوعاً من بعد التيه في البحر.

أمّا الكوارث الحقيقية فتتحقّق رعباً حين يتخرّب مركب ويبدأ في تسريب الماء إلى داخله ممهداً للبحر ابتلاعه ببطيء، ما يدعوا طاقم المركب غالباً لتخفيف الوزن خشية الغرق، ما يعني التخلص من بعض الركّاب ورميهم في البحر متروكين لمصير مجهول غالباً ما ينتهي بالموت غرقاً، وبطبيعة الحال لا تنتهي مآسٍ كهذه دون مقاومة من جانب الركاب، تُبادر هذه المقاومة بإطلاق النار من أسلحة ربّان المركب على الركّاب قبل إلقاءهم في البحر.

وعلى مستوى آخر من الرعب تعبر المتوسط قصص عن مافيات تهريب البشر، تلك التي تعاقب قبطان مركب تجاوز المياه الإقليميّة المتفق على رمي الركاب على حدودها، لتلاحق المركب زوارق سريعة متخصصة بصدم المركب وقلبه لإغراقه بمن فيه في عرض البحر.

سيف* لاجئ سوري من حمص يقيم اليوم في المانيا وصل إلى أوروبا عن طريق البحر من مصر، حدّثني عن حادثة مشابهة قلبت المركب الذي كان يقلّه قبالة السواحل الإيطاليّة، فكان في مركب يُقلّ خمسمئة مسافر نجا منهم عشرة فقط هو من بينهم، يقول “قبالة السواحل الإيطالية، طلب منّا ربّان المركب مئة يورو إضافية عن كل شخص إن كنّا نريد منه الوصول بنا إلى البر وعدم رمينا في البحر، وافق الجميع ودفعنا المبلغ وبدأ المركب بالتوجه إلى البرّ الإيطالي لنتفاجأ بزورق سريع صدم المركب من يمينه فتمزق أسفله وغرق بسرعة لم تمنح غالبيتنا الفرصة لارتداء العوامات وغرق الجميع.”

ومن بعد عبور البحر إلى التيه

بطبيعة الحال، وعلى الأغلب، لا تكون إيطاليا هي الهدف النهائي لاستقرار عائلة لاجئة عبر البحر، حيث ينتقل السوريون خارج إيطاليا غالباً مع اليوم الأول من الوصول إلى برّها، متوجهين عبر البرّ إلى دول شمال أوروبا، فتكون المانيا والسويد وهولندا هي الدول الأكثر جذباً لآمالهم بالاستقرار وحياة آمنة من بين ثمان وعشرين دولة أوروبية.

ورغم أن بعض المهرّبين شرعوا بتأمين خطط كاملة لتهريب السوريين حتى وجهتهم النهائيّة في دول شمال أوروبا، إلا أن أغلب السوريين يفضلون السعي بأنفسهم في طرق أوروبا البريّة في رحلة قد تستمر أسابيع متنقلين فيها من باص إلى قطار، متخفين من كل شرطي ومراقب، مع جهل شبه كامل للغات الأوروبية ولأسماء المدن والشوارع التي يعبرونها.

أحمد* لاجئ سوريّ من دمشق وصل حديثاً إلى المانيا، بعد رحلة بريّة انطلقت من تركيا واستمرّت ستاً وأربعين يوماً، أخبرني بأنه فقد أمواله مرتين ما اضطره للعمل عشرة أيام في كل مرّة حيث وجد نفسه، وبشكل غير شرعي، كي يؤمن تكلفة التذكرة التي ستنقله إلى وجهته التالية، إضافة إلى أنّه تاه مرة فدخل الحدود الفرنسية دون قصد منه ثم اعتقلته الشرطة فيها ليومين أطلقته بعدها ليوصله الشرطي بنفسه إلى محطة القطار التي ستقلّه منها رحله إلى خارج الحدود الفرنسية.

أضاف أحمد “ما إن تأكدت من أنني عبرت الحدود الألمانية حتى سلّمت نفسي لأوّل مركز للشرطة التقطته عيني، وأخبرتهم برغبتي باللجوء في المانيا، أخبرتهم قصّتي مع التيه في الأسابيع الستة الماضية، فلم يتمالك الشرطي نفسه مع رغبته بالضحك!”

* الأسماء الواردة غير حقيقية وتم تغييرها بناء على طلب من أصحابها.

 http://bof-sy.com/?p=10640

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s