القصف الموعود


 نقلت وسائل الإعلام أمس الثلاثاء 23 أيلول 14 إعلان المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) جون كيربي أنّ واشنطن وحلفاءها بدأوا شنّ ضربات جويّة استهدفت مواقع لتنظيم الدولة الإسلاميّة في سوريا.

بينما ذكر التلفزيون السوريّ نقلاً عن وزارة الخارجيّة السوريّة قولها إنّ واشنطن أبلغت دمشق بالضربات الجويّة قبل تنفيذها.

قبل تحليل الوقائع لنستذكرها كاملة، ولنعد عاماً إلى الخلف. قبل عام وتحديداً خلال شهر آب 2013 هدّدت واشنطن بتحرّك عسكريّ ضدّ سوريا، جاء هذا التهديد عقب تأكّد الولايات المتحدة الأمريكية (بحسب استخباراتها) من وقوف نظام الأسد خلف الأسلحة الكيميائيّة التي استخدمت وذهبت بالآلاف من سكّان دمشق بينما هم نيام فيما عرف بمجزرة الكيماوي.

US-IRAQ-OBAMA

آنذاك أعلنت الإدارة الأميركية عن نيّتها قيادة تحالف عسكريّ ضد سوريا، يشمل خمس أوست دول تكون فرنسا في مقدّمتها. لكنّني لم أجد في التهديد الأميركي توجهاً حقيقاً لتهديد نظام الأسد السوري إنّما تهديد للفصائل الإسلاميّة التي أدرجتْها سلفاً على قوائم التنظيمات الإرهابية، وكتبتُ في مدوّنتي حينها “إن نفذّتْ أميركا ضربتها اليوم فستكون بحجّة ملاحقة ومقاومة هذه القوى “الإرهابية” بالتعاون مع القوى المحليّة، وستتحول اللجان الشعبية في كل منطقة إلى القوّة التي تمثل وحدها مناطقها، للتفاوض على حكومة وحدة وطنية تجمع أغلب “القوى المتناحرة في سوريا”.”

مضى عام كامل على ذلك التهديد والوعيد، اختتم بانتشار مقطع فيديو ذبح الصحفي الأميركي جيمس فولي بتزامن عجيب مع ذكرى 9/11 حين نقلت الفضائيات عام 2001 في بث مباشر ارتطام طائرات مختطفة ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، مطلقة الشرارة الأولى التي مهدت لغزو الجيش الأميركي لأفغانستان ومن ثم العراق.

في غمرة محافل التأبين وكلمات العزاء التي باتت من واجبات كل لاعب على رقعة السياسة الأميركية، يظهر ملثّم بالسواد من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” على الشاشات، يهدّد الرئيس الأميركي أوباما ثم يقطع بسكين عنق صحفيي أميركي الجنسيّة. يكرّر ذلك الملثّم أفكار ومصطلحات بن لادن حين كان ينبري لتهديد بوش قبل أربعة عشر عاماً، معيداً إلى ذاكرة كل أميركي ذكريات ومشاعر خمسة عشر عاماً من “الحرب على الإرهاب”.

لزم بوش الأب غزواً عراقياًّ للكويت كيف يحرّك الجيوش الأميركية إلى الشرق الأوسط، وتذرّع بوش الابن بهدم برجي التجارة العالميّة في نيويورك كي يدفع بالجيوش ذاتها لاحتلال بلدين أحدهما العراق، واليوم احتاج أوباما لذبح صحفي أميركيّ على الشاشات كي يبدأ هجوماً عسكريّاً على تنظيم “إسلاميّ” في سوريا، بدأ بحسب الرواية الأميركية في العراق.

حيث تأتي الضربات الجوية على سوريا كجزء من تعهد الرئيس الامريكي باراك أوباما “بالقضاء وتدمير” تنظيم الدولة الاسلامية الذي يمتد في العراق وسوريا.

وكان أوباما أعلن في وقت سابق من شهر أيلول الجاري 2014 عن استراتيجيّته للقضاء على تنظيم الدولة الاسلامية، قائلاً إنّ “أي جهة تهدد أمريكا، لن تجد لها مكاناً آمناً، حتى في سوريا”.

أميركا وفرنسا قادمتين على مقدمة جيش من تحالف دولي، وحاشية من حولهم ومن حولنا، تهدّدان وتتوعّدان و”تأخذان المبادرة” في قتال الإرهاب، أينما كان، حتى لو كان في سوريا نفسها، عقر الإرهاب، بحسب الرئيس الأسبق بوش.

بصراحة، أعتقد أن ما حدث منذ عام إلى اليوم، ما بين تهديد أوباما ومن ثم تنفيذ هذه الضربة العسكرية، ليس أكثر من مهلة رأتها الإدارة الأميركية ضرورة لتمهيد واقع على الأرض يسمح بالضربة العسكريّة ومن ثم التدخل العسكري، دون أن يكون نظام الأسد هو المستهدف في سوريا.

 a_10_thunderbolt_ii

الأهداف

قال مسؤول أمريكيّ لرويترز رفض الكشف عن اسمه، إن الهجمات الجوية التي تشنها حاليا الولايات المتحدة ودول شريكة في سوريا قد تشمل حوالي 20 هدفا.

وتتضمّن هذه الأهداف مواقع لوجستية ومستودعات للوقود والأسلحة ومواقع تدريب ومعسكرات للقوّات ومواقع للقيادة والسيطرة بحسب ما قاله المسؤول الامريكي.

على أرض الواقع أصاب قصف الطائرات الأميركية وصواريخ بحريّتها مواقع لجبهة النصرة وكتائب مقاتلة أخرى في سوريا إضافة إلى مواقع لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وبطبيعة الحال يرى قسم كبير من معارضي نظام الأسد أن في هذا القصف هجوماً مباشراً على ثورة الكرامة السوريّة التي تعارض نظام الأسد المتشبث بدمشق، سيّما وأنّ بعضاً من مؤيدي الثورة يرون أنّ الحركات الإسلاميّة على أرض سوريا ما هي إلا تطوّر طبيعي لثورة الكرامة نفسها، رغم تكوين كياناتها المتجمع من جنسيّات غير السورية في غالبيتها.

بطبيعة الحال، يوقن أيّ مراقب لتطورات الأوضاع في سوريا منذ 2011 وحتى اليوم استحالة تحرّك القوّات الأميركيّة في مواجهة نظام الأسد، بمثل استحالة دعم الولايات المتحدة الأميركية لثورة الشعب السوري ضد استبداد حاق به لأجيال، فخرّب البلد وأنعش الفساد.

لو أرادت أميركا دعم ثورة الكرامة لفعلتها منذ الشهر الأول (آذار 2011)، ولا أبالغ بالقول أنّ من تتهمهم أميركا بالإرهاب في سوريا هم قوىً صنعتها هي نفسها أميركا بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الحاكمة في سوريا، منذ تسعينيات القرن الماضي.

وعليه فإنّ أميركا لا ترغب بتغيير النظام الحاكم في سوريا، وإن كانت قد تتنازل عن آل الأسد سياسيّاًّ فهذا لا يعني تخلّيها عن الهيكليّة الإداريّة بكاملها في سوريا، لأن خلق بنية حكم جديدة في هذا البلد المتوسط المتعدّد الطوائف والأعراق، يحتاج لأكثر من عقدين ريثما تستقر ويتكون عنها نظام حكم متجانس، يتأقلم معه جيران سوريا وتستمر الحياة كما هي دون تأثر خطر، ومن غير الممكن أن يحدث هذا السيناريو دون تدخل وإدارة مباشرة للأوضاع السورية من طرف خارجي، طيلة ذينك العقدين.

بطبيعة الحال، فإن من يشاهد تحرّكاً عسكرياً أميركياً الآن في وجه التنظيمات الإسلامية، بينما طال صمت أميركا وجمودها أمام جرائم نظام الأسد في سوريا طيلة أربع سنوات، تراكم فيها من جرائم الحرب ما فاق جرائم النازية الهتلريّة بأشواط، يؤمن في قرارة نفسه أن أميركا لا تعادي أعداء الشعب السوري، إنما تعادي من يعادي مجرماً يسفك الدم السوري، رغم الإشارات ذات الدلالة على خدمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) للنظام السوري في عدة مواضع ومراحل.

برأيي ما تقوم به أميركا اليوم ومنذ عام في سوريا، هو منح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) شرعية دينيّة وأيدلوجيّة مفترضة، من خلال إظهار العداء المباشر للتنظيم في وجه طيف واسع من التطرّف الراديكالي المتنامي في العالم الإسلامي منذ احتلال أفغانستان، ما تريده الإدارة الأميركية فعلاً هو تعزيز الدعم الشعبي المناصر لتنظيم الدولة الإسلامية في الأوساط المعادية للولايات المتحدة، وبالأخص، أولاءك الذين يرون في أميركا العدوّ الأوّل المانع لنهضة الدول الإسلامية وتخلّصها من أنظمة الحكم المفسدة فيها.

من غير الممكن للضربات الأمريكية أن تقضي على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ولا تقدر حتى على إضعاف وجوده على الأرض، دون اجتياح بريّ وحكم مباشر، وأميركا حُكماً تدرك ذلك، وتدرك أيضاً أن تعزيز التأييد الشعبي لتنظيم الدولة الإسلامية وأيدولوجيته في أوساط الغوغاء في مختلف الدول ذات الأغلبيّة الإسلاميّة، سيكون الأداة الأسهل للضغط على الأنظمة الحاكمة لتلك الدول وتطويعها بما يخدم المصالح الأميركيّة، تحت رحمة إرعاب انفلات هذه الغوغاء إن ما كفّت أميركا عنها أيديها.

______________________________________

مؤنس بخاري، برلين

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s