داعش الموت، تقهرها الحياة


من أخبث طرق إخماد المقاومة وهزيمة أصحاب الحق، أن تقنعهم بأنهم عرضة لمؤامرة كبيرة وأن هذه المؤامرة هي من توقعهم في الأخطاء والمصائب والهزائم، هزيمة بعد هزيمة، فيتقبلون الهزيمة وينزاحون لها ويستسلمون لانهزامهم مرة، رغم كون الهزيمة خطوة على مسار الانتصار.

مع ذلك أقول أن داعش اليوم هي مؤامرة استخباراتية عظيمة بدأت قبل ثلاث سنوات بنشر إشاعات وتأويلات تفترض أن ثورة الكرامة في سوريا هي الحرب الكبرى ما بين المؤمنين وأعدائهم تمهيداً لظهور الدجال، مؤامرة حوّلت ثورة شعب صغير يطالب بكرامته وحريته إلى حرب مقدسة جندت كلّ طائفة خلف معتقداتها بما يختص بنهاية الكون… تماماً كما يعتقد الشيعة اليوم أن ما يحدث هو الخطوات المعجلة بخروج المهدي، ثم يعتقد بقية المسلمين أن ما يحدث هو الخطوات الأولى لعودة المسيح ولقيامة خلافة مباركة من الله… هذه الأماني بالحرب المقدّسة حولت ثورة شعب إلى عنوان لصراع ديني أحيا كل صراع قديم مات، وتحوّل بنصرة الشعب السوري من نصرة شعب مطالب بالحرية وبرفع الظلم القهري إلى نصرة دينية رأت عنواناً واحداً للقهر فقط هو القهر الديني، فصارت نصرة الشعب السوري نصرة ينصر فيها أتباع كلّ ملّة حول العالم أتباع ملّتهم في سوريا، لا لينتصروا في وجه الاستبداد، إنما لينتصروا على بقية الملل والطوائف من بني شعبهم أنفسهم في سوريا.

بهذه الأفكار الخلاقة بات يعتقد كل منّا أنّه في حرب مقدسة ضد أعداء الله… ثم ينقلب مستغرباً تأخّر النصر الالهي ويبدأ بالبحث عن الأسباب لقتلها، فتتعمق الفوضى في تفاصيل الصمود والكفاح الثوري أكثر فأكثر، ليتحول سبب الهزائم وتأخرة نصرة الله من الأسباب التقنية إلى الأسباب اللاهوتية، ويصبح “التقصير” وصفٌ لغايات لا وصفاً لسلوك.

داعش هي مؤامرة لتخويف الجميع من أنفسهم، قبل تخويفهم من الآخر، داعش هي مؤامرة لإخافة غير المسلم من المسلم… فعلاً، لكنّها كمؤامرة أعمق من ذلك، إنها لتخويف المسلم من إسلامه، من أحلامه ورغباته وأمنياته بالسراط المستقيم… وبأنّ أيّ محاولة لاستعادة حياته كما عاشتها أسرته قبل الاستبداد، هي طريق حتمي إلى الخراب الراديكالي المتطرف بأفكاره وبأدواته وبنواياه اللا إنسانية.

داعش هي مؤامرة على المسلمين، ليس لأنها مؤامرة على الإسلام إنما لأنها مؤامرة على سكان المشرق، سكان مصر وبلاد الشام والعراقين وإيران والأناضول وبقية الجزيرة العربية، داعش مؤامرة على استقرارنا وعلى رغبتنا بالحياة… وصادف أنّنا مسلمون بالأغلبية فأتت المؤامرة على إسلامنا لتعكر وتشوش كل أفكارنا المشتاقة للحياة الطبيعية والعصرية بتوازن طبيعي مع تراث اجتماعي يستحيل فصله عن واقع الحياة المُعاش.

في القرن العاشر الميلادي هاجمت قوات داعش الأوروبية سواحل بلاد الشام أول مرة، وكانت أغلب الشام مسيحيّة، في ظل القرن الرابع من الحكم الإسلامي، فجاءت داعش باسم الصليب تقتل وتذبح أهالي القرى الشامية المسيحية قبل المسلمة، باسم الله ونصرة للصليب… انتهى القرن العاشر بانقلاب نسبة الـ70% الشهيرة من سكان بلاد الشام من المسيحية إلى الإسلام، نكاية بالصليبيين دواعش روما، فصار سبعون بالمئة من سكان بلاد الشام ومصر إسلاماً من بعد أن كانت المسيحية هي نمط حياة 70% من السكان ما بين الفرات والنيل.

اليوم ينهض شبح داعش من جديد محرّضاً كل مسلم على إيمانه، مقرناً السماحة بالكفر ومقرناً الإجرام بالإيمان… والله سمحٌ رؤوفٌ رحيم.

داعش مؤامرة من أعداء استقرار المشرق، داعش مؤامرة لكنها ليست مؤامرة من أعداء الإسلام ولا حرب مقدّسة على إسلام المسلمين وإيمانهم، إنما هي حرب على استقرار سكان بلاد المشرق كله وعلى إيمانهم بالحياة، لألّا يكون لديهم الطموح ولا الرغبة بتأسيس حياة كريمة وفي بلاد مزدهة تَبازّ أقطاب العالم حياة وتطور.

نعم داعش هي مؤامرة، ومؤامرة عظيمة على الإسلام والمسلمين من قلب الإسلام ومسلميه، لكن الانتصار على المؤامرة ممكن لا مستحيل، الانتصار على هذه المؤامرة يكون أوّلاً بإيماننا بأنها مهزومة لا باقية، وبأننا على حق وعلى صواب، وبأن التزامنا ما اعتدنا هو ثاني خطوط مقاومة داعش وسوادها وإن طغى، فنحن المسلمون الحق لا هم، وإسلامنا هو الإسلام الحق لا إسلامهم المكلل بالدم… ديننا دين الحياة لا ديانة موت.

1319537

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s