دبر حالك!…


Rand-by-Nathaniel-Gold

مذ كنت طفلاً صغيراً وأنا أسمع هذه العبارة من الكبار تأمرني بالولاء لنفسي فقط، واستهجان البقية، وبدوري أنا أيضاً استهجنت هذه الأمر منذ سمعته لأول مرة، وأوليت أولاً حقوق البقية.

طبعاً، في ذلك الوقت اعتبرني الكبار طفلاً ساذجاً وغبياً، واليوم لا فرق، لم يزل الكثيرون يعتبرونني ساذجاً وغبياً، إذ أنني أدبر أمور الآخرين قبل أن أدبر أموري، ضماناً لحقوقهم واكتساباً لرضى الله، فولائي لمن والاني لا ينقطع، حتى لو قطعني من أولاني سابقاً.

لست أنانياً! هذا ما اتخذته مبدأ لحياتي منذ سمعتها لأول مرة، ومنذ انفجرْتُ للمرة الأولى في وجه أحد الكبار بينما يؤنبني بصراخه.. دبر حالك!

الناس ما عم تصف على دور الخبز… إيه دبر حالك! طاحش

الموجه ما بحبني ولا طايقني، وعم يتبلاني… إيه دبر حالك! ارضيه

الموظف ما عم يلحق القانون، وعم يعطلني… إيه دبر حالك! طعميه

الشركة ما عم تمشيلي الفواتير ع الوقت، وعم بخسر… إيه دبر حالك! اسرق

دبر حالك، هو الشعار الذي لم يزل يحرك قلوب الكثيرين، قبل عقولهم، هو المبدأ الذي تتعطل عليه وفيه وبه الحياة اليوم في سوريا، ولا تمشي أبداً.

يخوض الكثيرون غمار الثورة، وينشطون، ويتطوعون في مشاريع ما هب ودب، ثم تضيء في عقولهم من جديد، دبر حالك، فيقفزون من مشروع لآخر يقنعون أنفسهم أنهم بهذه الطريقة يحققون الولاء لسوريا أولاً، لأن الثورة لسوريا.

لكن البيان في القول واضح في أن من ليس في قلبه ولاء للقريب، لا ولاء في قلبه للبعيد، ومن لا يحسن للصديق لن يحسن للغريب، وليس للبلد من جهده فائدة.

دبر حالك، تخوض في غمار المقاتل على الجبهات، فيقفز من ولاء قائد إلى ولاء آخر، ويتبع الراية الأقوى، ولسان حاله يقنع نفسه، سوريا أولاً! بينما لسان نفسه “دبر حالك قبل ما يقتلوك”، وتتفكك الكتائب وتضعف ويتحول الولاء من الأقربين إلى الأقوى ونسقط في براثن الأنانية الغرائزية لكأننا في غابة، وفي النهاية ننسحب… قرفاً من “الحالة” ربما، لكن في الحقيقة قرف من أنفسنا.

دبر حالك، تأكل من نفس كل لاجئ، فيتحول من مبتلى يعين ويستعين على بلواه أقرانه من اللاجئين، ويحال خائفاً مذعوراً على نفسه وحياة من معه، أنانياً بالمطلق، يقاتل على رغيف الخبز.. ثم على المعونات، ثم على الرفاهية… معترضاً على حياة أي من أقرانه اللاجئين دون خجل.

هنا تسقط حسابات الوطن من قلوبنا، وتتيبس، فنركض خلف غرائزنا ونتشبث بالفتات القليل حتى لا ينقطع، ونتحول حيوانات أليفة تربيها الدول المانحة وتدللها كلما أذن مزاجها بالتسلية على حساب أوجاعنا وآمالنا.

إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم… ولطالما في أنفسنا أنفسنا، لن يتغير ما بنا، وما ربك بظلام للعبيد. ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

وقال سبحانه: وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ. صدق الله العظيم.

YouMe

6 تعليقات على “دبر حالك!…

  1. هو واقعُ حال لا يكفي مرور الوقت لتغييره فقط، وللأسف ظروفنا اليوم هي أقرب منها لقانون الغاب مما كانت عليه سابقاً… فالله أعلم أيُ جيلٍ منّا قد يستطيع استخدام قانون بشري بالتعامل والتصرف

    إعجاب

  2. عجبني كتير مقالك مؤنس و بظن تصرف الناس بهل طريئة ناتج عن شبه انئطاع علائة الانسان بربو الي بتخليه حاسس انو عايش لحالو بغابة و بدو يدبر حالو لحالو ولو عحساب غيرو بعكس الانسان الئريب من ربو الي في دايما طمئنينة بئلبو لانو متيقين بقدرة الله و بيعرف انو عليه يعمل الي عليه و متوكل بالبائي على الله فما بحس انو في داعي يهجم و يتصرف بوحشية لياخود حئو بالعكس بيعرف انو ما بضيع مثقال ذرة عند الله

    إعجاب

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s