أعجاز بلا جذور… بسقت في القدس


الملك الأسد

الملك الأسد

أعتقد أن مأساة القدس و فلسطين و بلاد الشام عامة تبدأ سنة 1841، لماذا؟ اقرأ بتمعن…

بعد الغزو النابليوني للمشرق، تعاظم نفوذ بريطانيا في السلطنة العثمانية، إذْ إن بريطانيا حمت الكيان العثماني المتداعي من الإنهيار، وصدّت نابليون أمام أسوار عكا، فسعى مسيحيو فلسطين الروم واللاتين إلى كسب رضى بريطانيا وحمايتها. فقد أخذ نظام الملل العثماني يتهاوى أمام نظام الامتيازات الذي تطور من معاهدات خاصة لمعاملة التجار الأجانب، إلى تدخل القوى العظمى الأوروبية لحماية الملل المسيحية، ولم يكن لبريطانيا ملّة بروتستنتية من المسيحيين المحليين تعمل على حمايتها. أما الثمن الذي دفعته السلطنة العثمانية للدول الأوروبية مقابل حمايتها من أطماع محمد علي، فكان مزيداً من التدخل في شؤون السلطنة. ومن نتائج هذا التطور في المسألة الشرقية فتح قنصليات أوروبية في القدس، “لممارسة سياسة التدخل المباشر في شؤون الدولة العثمانية، وفلسطين خاصة”. فتوصلت بريطانيا في تموز 1838، إلى افتتاح قنصلية في القدس، وعُيّنْ وليم يونغ نائب قنصل، إذْ إنّ القنصل العام في الإسكندرية.

جاء في مراسلات جون بلويل إلى يونغ ما يلي: “أمرني الفيسكونت بالمرستون إعلامك أنّ من واجبك بصفتك نائب قنصل في القدس، أن تقوم بحماية اليهود عامة”. وكان اللورد البريطاني إيرال أوف شافتسبيري دور مهم في فتح قنصلية القدس وتوجهها لحماية اليهود. فهو من كبار الشخصيات الحكومية ذات النفوذ والاتصالات القوية مع جمعية لندن اليهودية وجمعية المرسلين الكنسية.

فتطور مفهوم القنصلية من رعاية المصالح السياسية والتجارية البريطانية وحماية الرحّالة والسيّاح الإنكليز، إلى حماية اليهود والبروتستنت. وهما حلقتا النفوذ البريطاني في فلسطين: فاليهود ملّة قائمة تبنتّها بريطانيا، والبروتستنت ملّة كونتّها بجهود المرسلين، ثم حدّدت معالمها وقوّت كيانها من خلال النظام الأسقفي. فكتب يونغ إلى وزارته في لندن ما يلي: “هناك يا سيدي طرفان يجب الإشارة إليهما، ويتطلعان بلا شك إلى أن يكون لهما نصيب في تطور الأمور هنا، وهما: أولاً، اليهود الذين أعطاهم الرب هذه الأرض ملكاً لهم. وثانياً، المسيحيون البروتستنت، وهم النسل اليهودي الروحي الشرعي، وأقترح بتواضع أن تكون بريطانيا العظمى هي الحامية الطبيعية لكليهما، وقد بدأت هاتان الطائفتان تأخذان مكانهما بين الطوائف المسيحية الأخرى”.

لم يبخل يونغ في تقديم الحماية لطائفة نكلسون الناشئة، وقد تكوّنت بفضل رعاية جمعية لندن اليهودية وأتباعها ورؤسائها من اليهود المتنصرين على المذهب البروتستنتي. أما الكنيسة الأنكليكانية في بريطانيا، فقد كانت تتطلع إلى قيام صلات بينها وبين الكنائس الشرقية، ورأت في الحالة الراهنة في فلسطين، حيث تعاظم النفوذ البريطاني سياسياً وإرسالياً، الفرصةَ المناسبة لخلق هذه الصّلات. وغير ذلك هناك تطلعات الجمعيات الإرسالية البريطانية، وقد آمن الكثير من الأنكليكانيين بالنظرية الألفية، أي مجيء السيد المسيح ديّاناً للعالمين، ويتم ذلك في القدس، والمؤشر على ذلك المجيء اهتداء اليهود للنصرانية، لذا يجب حشر اليهود في القدس وتنصيرهم تمهيداً لذلك المجيء.

ومن جهة أخرى وفي الوقت عينه تقريباً، تفاعلت عدة ظروف سياسية واقتصادية ودينية في بروسيا، والتقت وتكاملت مع المصالح البريطانية في فلسطين.

كوّن اليهود في القرن الماضي ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً في المانيا: “واليهود جسم غريب في المجتمع الألماني ويشكلون دولة داخل الدولة ···، وتمتعت الرأسمالية اليهودية بامتيازات خاصة في حقول النشاطات الصناعية والمالية واستثمار الأراضي… إلخ، وما إن حلّ القرن التاسع عشر حتى كانت الرأسمالية اليهودية مزدهرة في شتى المرافق الاقتصادية”.

وقد انقسم الرأي العام الألماني إلى تيارين إزاء الظاهرة اليهودية: التيار الليبرالي، ويطالب بمساواة اليهود بالمواطنين الألمان، بينما ينظر التيار المحافظ إلى اليهود على أنهم غرباء، وأنّ اليهودية ديانة تناقض التعاليم المسيحية، فاشترط أنصار هذا التيار تنصير اليهود لقاء منحهم المواطنة الكاملة.

وألقيت مهمة تنصير اليهود على جمعية نشر المسيحية بين اليهود، التي أسّست عام 1822 في بروسيا، وهي شقيقة جمعية لندن اليهودية، وحصلت الجمعية على دعم حكومي رسمي. “لم تؤدِ مراسيم تحرير اليهود وإعطائهم المواطنة الألمانية وتنصيرهم إلى حل المسألة اليهودية في المانيا” وأصبحت الحاجة ملحة لحل جذري للمسألة، وفي هذه الظروف اعتلى فردريش فلهلم الرابع العرش، فقد كان مهتماً بالمسألة اليهودية وبأوضاع المسيحيين في فلسطين منذ صغره. “ألا يجب أن تكون فلسطين الحل الذي يوصل المسألة اليهودية في ألمانيا إلى حل مرضٍ؟” أي إغراء اليهود بالهجرة إلى فلسطين وتنصيرهم هناك!

Christian Charles Bunsen

وهكذا بحلول عام 1841، كان لكل من بريطانيا والمانيا مصالح خاصة؛ سياسية ودينية واقتصادية في فلسطين· وظهر في الصورة الشخص المناسب ليكون صلة الوصل بين الطرفين، الا وهو البارون كريستيان شارل بنزون Christian Charles Bunsen

مُنِحَ ميشيل سلمون الكسندر الرسامة الأسقفية في 11 تشرين الثاني 1841، وأبحر إلى فلسطين في 7 كانون الأول·

اعتمدت الأسقفية على التمويل البروسي والإنكليزي، إذ لم تُشكّل بعد رعايا في فلسطين أو منشآت وأوقاف تابعة لأسقفية قادرة على تغطية نفقاتها. فصدر صك الوقفية البروسية لحساب الأسقفية في 9 أيلول 1841 وجاء فيه: إنّ ملك بروسيا يتبرع من جيبه الخاص بمبلغ خمسة عشر الف جنيه استرليني، ويُعد هذا المبلغ كوقف للأسقفية على شكل “وديعة بنكيّة”. وتصرف فائدة هذا المبلغ راتباً سنوياً للأسقف يبلغ ستمائة جنيه استرليني. وعيّن الملك أوصياء على هذا المال لصرف فائدته لأسقف القدس وهم: رئيس أساقفة كنتربري ورئيس أساقفة يورك وأسقف لندن. ويفوض الملك الأوصياء باستخدام المبلغ يوماً ما لشراء وقفية عقارية في فلسطين، على أن يكون مردودها ما يساوي راتب الأسقف أي 600 جنيه استرليني. وإذا بقي جزء من المال بعد شراء الوقفية، يسمح الملك بتخصيصه لدعم مؤسّسات الأسقفية. ويشير جيدني إلى أنّ رأس المال الوقفي لم يدفع أبداً لحساب الأسقفية، ولكن قُدّمت فائدته للأسقف حتى انسحاب بروسيا من اتفاقية الأسقفية الأنكليكانية عام 1886، فاستُرجع المبلغ.

شَحذ التبرع البروسي سخاء البريطانيين، فقدّمت جمعية لندن اليهودية ثلاثة آلاف جنيه استرليني وتبعها آخرون. وصدر صك الوقفية البريطانية في 15 تشرين الثاني 1841، ينظم فيه رئيس أساقفة كنتربري أمور الأسقفية المالية بصفته الوصي على الوقفين البريطاني والبروسي، وعيّن مديراً لصندوق الأسقفية يقوم بصرف المال. ومجموع الوقفية البريطانية عشرون ألف جنيه، جُمعت عن طريق المساهمة العامة التي طُرِحَت للجمهور. وقدّم كل من رئيس أساقفة كنتربري هولي وأسقف لندن بلومفيلد 200 جنيه استرليني.

1 تعليق على “أعجاز بلا جذور… بسقت في القدس

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s