ماذا يحاك في الظلام


20125251534_darknessبقلم محمد رياض
حين يسطوا لص على بيتك في وضح النهار ويقوم بطردك منه وإلقاءك وعائلتك في الشارع، ثم يقوم بمخاطبتك بعنجهية مفرطة من على سطح منزلك المسلوب طالباَ منك التوقف فوراَ عن الصراخ والعويل لأن في هذا قلة أدب وإزعاج للجيران الأخرين، ثم يحدثك مؤنباَ وواعظاَ بأنه من الأجدر بك صب جام غضبك على جارك البعيد الذي يقطن في أول الشارع لأنه قبل سنتين نظر إلى إبنتك المصون بطريقة غير لائقة وهي تسير في الشارع حيث أن الشرف أهم من المال والبيت وكل شيء اّخر! ثم تقوم انت بشكر اللص على نصحه وتذكيره لك بقضية الشرف وتعتذر له عن قلة أدبك ورفعك غير الحضاري لصوتك وتذهب فوراَ لتشتبك مع جارك قليل الأدب في أول الشارع.
إن فعلت هذا فأنت طبعاَ غبي، لأن اللص قد نجح في خداعك وشغلك عن قضية ّانية مصيرية ملحة وأساسية مثل الإستيلاء على بيتك مقابل إشغالك بقضية ثانوية قديمة كمسألة النظر إلى إبنتك المصون قبل سنتين وهي تسير في الشارع، ثم إن اللص الخبيث قد نجح أيضاَ في إقناعك بعدم جدوى ومنطقية وحضارية التصدي لعملية سرقته لبيتك.
هذا بالضبط هو حال الجماهير والنخب العربية من المحيط إلى الخليج! الأوطان مستباحة، الميزانيات منهوبة، عائدات البترول تدخل حسابات فردية سرية في دول أجنبية والفتات يذهب لميزانيات الدول المنتجة، الأراضي الحكومية تباع لمصلحة أفراد معدودين، القطاعات الحيوية في الدول والتي تم إنفاق المليارات عليها عبر سنوات طويلة تباع بأبخس الأثمان لشركات أجنبية مقابل عمولات للمتنفذين، ميزانيات الإنفاق العسكري تذهب لشراء التكنولوجيا القديمة المستهلكة في الدول الكبرى مقابل عمولات مغرية لبعض المسؤولين، الفقر يزداد داخل الطبقات المحرومة وأعداد إضافية تضاف سنوياَ للفئات الأقل حظاَ في المجتمع وفي نفس الوقت تتضخم حسابات الأقلية المستفيدة من بيع الوطن وثرواته الطبيعية وقدراته الإنتاجية لعقود قادمة.
معدل الإستيراد الإستهلاكي في إرتفاع جنوني وقيمة العملة المحلية تبعاَ لذلك في هبوط مريع (القيمة الشرائية وقيمة الصرف) ونتيجةَ لذلك، الأسعار أيضاَ في إرتفاع جنوني. الشركات الإنتاجية الأجنبية الممنوعة أو الهاربة من أوطانها لمخالفتها قوانين العمل وتشريعات منع التلوث البيئي و عدم قدرتها أو رغبتها بتوفير بيئة عمل صحية غير خطرة داخل أقسامها لعمالها في بلدانها تلجأ لرشوة اولي الأمر في بلداننا للسماح لها بإقامة منشئات صناعية تفتقر إلى أبسط شروط السلامة البيئية والصحية وتستغل ظروف الفقر المحلي في تشغيل أيادي عمل رخيصة في ظروف صحية وبيئية خطرة ضمن مناطق تأهيل خاصة جداَ لا تخضع لقانون العمل الوطني؟ وبعد سنوات يقفل المصنع ويرحل لإستغلال بيئة أخرى أرخص ويترك العمال ليموتوا ببطء بسبب المواد والإشعاعات المسرطنة الممنوعة وغير الخاضعة لرقابة أحد التي تعرض لها المساكين أثناء فترة عملهم في (المناطق المؤهلة الخاصة جدا)!. وما المشكلة المسؤول قبض العمولة وكله قضاء وقدر وأطيعوه ما أقام فيكم الصلاة!.
وفي فلسطين يزداد تهويد الأرض يوماّ بعد اليوم، والأقصى قاب قوسين أو أدنى من الإنهيار، والحصار على غزة مستمر عربياَ وصهيونياَ والذي يجرؤ على تحدي الحصار يحاكم بتهمة تهديد الأمن الوطني العربي! وفي العراق ستسحب أمريكا قواتها بعد أن وقعت عقوداَ تضمن فيها سيطرة شركاتها على النفط هناك لمئتين وخمسين سنة قادمة وبسعر لا يتجاوز عشر السعر العالمي للبرميل، وبعد ضمان فتح السوق العراقي أمام منتجات الشركات عابرة الحدود بدون قيود ولا رسوم إلى يوم القيامة، كما هو الحال في بقية دول الخليج الانجلوسكسوني، عفواَ العربي. وفي إثيوبيا وكينا تقوم شركات إسرائيلة بإنشاء سدود مياه على منابع النيل لتتمكن لاحقاَ من بيع مياه نهر النيل لأهل مصر والسودان بالوحدات المكعبة وبالعملة الصعبة.
كل هذا وأكثر بكثير يحدث حولنا… ولكن ما الذي يطرح وما الذي يشغل بال وسائل الأعلام وصالونات النخب وحتى الناس في المقاهي الشعبية في بلادنا؟ وبعبارة اخرى ما هي القضايا الاكثر إلحاحاَ والتي يراد للناس الإنشغال بها عن كل ما تقدم أعلاه.
الكل هذه الأيام مشغولون بالحديث حول مشروعية الإختلاط في الإسلام و هل البرقع واجب أم سنة وحول فتوى احدهم بهدم المسجد الحرام، و التبرك ببول الرسول، ورضاع الكبير، وكل أسبوعين يطل علينا احدهم بموضوع جديد للتسلية أو للتلهية. والشارع العربي اليو منقسم إلى فسطاطين أحدهما مع منتخب مصر والاّخر مع الجزائر. والجدل والحراك الإقليمي أصبح أمراَ طبيعياَ ومألوفاَ ومتكرراَ بعد كل مباراة قدم وتنس وسلة، وبعد كل حلقة من مسابقات سوبر ستار وشاعر المليون وستار أكاديمي وغيرها.
العلمانيون منهمكون في حرب ضروس مع المتدينين والمتدينون قد حشدوا صفوفهم وقواهم وإمكانياتهم لسحق العلمانين،أما الإسلاميون والماركسيون والقوميون فمنهم من قضى نحبة ومنهم من قارب من الإنتهاء من كتابة مذكراته موثقاَ شهادته على أكثر عصور الامة إنحطاطاَ قبل أن يلقى نحبه هو الاّخر(ونعيب زماننا والعيب فينا) ليتم بعد ذلك إسدال الستار نهائياَ عن ما سمي يوماَ بعصر الأيديولوجيات أو (الشعارات) في بلاد العرب.
وبعبارة أخرى الناس والأحزاب والإعلام والنخب مشغولة بأشياء أقل ما يقال فيها أنها تافهة ومضيعة للوقت أما يحاك للبلاد والعباد في الظلام على أيدي أبناء الحرام فلا يعلم به إلا الله والراسخون في العلم!

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s