تحية لبرهان بخاري المفكر والإنسان والعبقري


أ.د. محمد البخاري: بروفيسور
جامعة ميرزة ألوغ بيك القومية الأوزبكية

على صفحات الصحف السورية التي تربطني كل صباح بأخبار وطني الحبيب سورية ومنجزاته عبر صفحات الانترنيت وخلال أقل من شهر قرأت مادتين عن الوعكة الصحية التي ألمت بالأستاذ برهان بخاري المفكر والإنسان المخلص لوطنه سورية، كتب الأولى منها الزميل عادل حديدي، وكتب الثانية الزميل حسن م. يوسف وأضم صوتي لهما بالتمنيات لبرهان بالشفاء العاجل للاستمرار بالعطاء الوطني المخلص الخير الذي تعودت على متابعته من خلال ما نشرته الصحف في السنوات الأخيرة قبل أن تنقطع فجأة، وتوقعت أن عارض ما حال دونه ومتابعة زخمه الفكري على صفحات الثورة وتشرين، ووجدت توقعي في مكانه عندما طالعت ما أشار إليه الزميلين عن المرض العارض الذي ألم وألزم المفكر المبدع برهان بخاري بالرقود في المستشفى.
وبرهان بخاري الأوزبكي الأصل كما عرفته يعتز بأصله الأوزبكي دائماً ويعتز بوطنه سورية على الدوام، رغم أنه لم ينصفه ويعطيه حقوق إبداعاته وتميزاته طيلة عقود أربعة أمضاها بالعطاء والصادق والمخلص والعمل المخصص للوطن الذي أحبه وأخلص له ولم يزل يتفانى من أجله حتى في أحرج الظروف. وما قرأته أعادني لذاكرتي البعيدة لأيام معرفتي الشخصية الأولى بالمفكر برهان البخاري قبل أكثر من عقود ثلاثة مضت، لأن معرفتي له قبلها كانت غيابية عن طريق سماع تعليقات الأصدقاء اللذين كانوا يخلطون بيني وبينه لتطابق لقب الأسرة بيننا، وكنت حينها أسمع تعليقات الزملاء اللذين سبب عملي مشرفاً لمكتب محو الأمية بمحافظة مدينة دمشق آنذاك خلطهم لصاحب ملكية مقالاته الجريئة التي تناول بها قضايا ومشاكل محو الأمية والعجب أن البعض كان يحاول نسب تلك المقالات لي بحكم عملي وكنت أرى علامات الدهشة التي ارتسمت على وجوههم عند سماعهم أنها ليست لي وحتى أني لا أعرف كاتبها وأتمنى وبصدق التعرف إليه.
وقضت مشيئة القدر والتقيته في مطلع ثمانينات القرن العشرين بعيداً عن دمشق الحب، في العاصمة الأوزبكستانية طشقند التي كنت أدرس في جامعتها، ووصلها آنذاك المفكر والباحث السوري برهان بخاري (كما كان يقدم للمشاركين في الاحتفالات آنذاك) تلبية لدعوة تلقاها للمشاركة في احتفالات الذكرى الألفية لمولد العلامة الموسوعي الكبير أبو علي حسين بن سينا، ولم أفاجأ البتة عندما تحولت تلك الزيارة لدعوة مفتوحة وجهتها له أكاديمية العلوم بجمهورية أوزبكستان واستمرت لبضعة أشهر انتقل خلالها من الفندق للإقامة في السكن الخاص بالأساتذة الأكاديميين، لأن مناقشاته وأفكاره خلال اللقاءات كانت تثير اهتمام معظم الأكاديميين اللذين التقى بهم، وكانت كثيفة حتى أني لم أتمكن ولو لمرة واحدة أثناء لقاءاتنا الكثيرة في طشقند أن أحظى به متفرغاً، وفي كل مرة وفي كل مكان التقينا به كان محاطاً بشخصيات أكاديمية معروفة بعضها أصبحت مرموقة اليوم، وفي أكثر من واحدة من لقاءاتنا كنت أسمع العروض السخية التي كانت تقدم له للبقاء في الأكاديمية وإعداد أطروحة للحصول على دكتوراه العلوم ووعود أكثر سخاء بتخصيص الأموال اللازمة ووضع المخابر اللغوية والمساعدين تحت تصرفه لتحقيق أفكاره، وأعتقد أن تلك العروض ما كانت لولا ثقة العارضين من واقعيتها، ولكني فوجئت بأنه آثر العودة لدمشق متجاهلاً كل تلك العروض السخية التي قدمت له من واحدة من أهم أكاديميات العلوم في الاتحاد السوفييتي السابق.
وتكررت لقاءاتنا بعدها في دمشق الحبيبة أثناء زياراتي الصيفية لها، وتكررت نفس الصورة ولم ألتق المفكر برهان بخاري ولا مرة واحدة بمفرده وكان في كل مرة محاطاً بعدد من الأدباء والمفكرين والصحفيين، في بيته كما أذكر في الطابق الأخير من مبنى متعدد الطوابق بشمال المزرعة حيث التقيت عنده بشخصيات دمشقية معروفة تعود أن يلتقيها ويسامرها أمثال: المربي والسياسي والشخصية الاجتماعية الدمشقية البارزة عدنان بغجاتي، والشاعر الكبير بندر عبد الحميد، والمبدع المتميز سعيد حورانية، والكثيرين الكثيرين غيرهم من اللذين لم تعد ذاكرتي تساعدني على تذكر أسمائهم بعد مضي أكثر من عقدين لم نلتق خلالهما ولو مرة واحدة. ولكنه بقي في مخيلتي دائماً من كثرة ما سوئلت عنه خلال اللقاءات العلمية التي حضرتها في طشقند بصفتي المهنية في المعهد العالي للدراسات الشرقية حيث عملت مستشاراً في العلاقات الدولية، وكانت الأسئلة من قبل أولئك اللذين تعرف عليهم وشاركهم أفكاره وبحوثه العلمية طيلة أشهر قضاها بينهم ولم يزل في ذاكرتهم حتى اليوم ويصفونه دائماً بالمفكر السوري الكبير برهان بخاري ويسألون عن النجاحات التي حققها في وطنه حتى اليوم وعن التكريم الرسمي الذي حصل عليه لقاء أعماله الكبيرة التي قدمها لوطنه سورية متوخين في ذلك ما اعتادوا عليه في أوزبكستان حيث تمنح حكومتها سنوياً ألقاب شرف وجوائز حكومية وأوسمة وميداليات للمفكرين المتميزين من أمثاله.
ولا أخفيكم أني توقعت ذلك من سورية الحبيبة التي قدرت قيادتها الرشيدة أكثر من مرة المبدعين ومنحتهم الأوسمة والتقدير، بعد قراءتي قبل بضعة سنوات لما كتبه المبدع الكبير الراحل ممدوح عدوان في واحدة من زواياه الصحفية حيث قال أنه آن الأوان لتتنبه هيئة ما في سورية، لما يفعله هذا الإنسان، وأن يصدر قرار وطني يدعو للاستفادة من الجهد الذي يبذله برهان بخاري. وتوقعت أن يجد التكريم اللائق به واللائق بحدة ذكاء، ودأبه على البحوث الخلاقة، وشغفه بالعلم والبحث العلمي، وفرادته بالصفات التي تصب دائماً لصالح الخير العام الذي لم يتزحزح عن إيمانه به في يوم من الأيام وبنكران ذات متميز، وهو ما دعاني للاعتقاد بأنه آن الأوان للوطن الحبيب سورية أن ينصف واحداً من أبناءه البررة. ولا يسعني إلا أن أوجه التحية للمفكر السوري الموهوب والمبدع برهان بخاري، وأن أتمنى له من كل قلبي الصحة والعافية ليعود إلى عنفوانه الإبداعي ليستمر في خدمة وطنه الذي أحبه وأخلص له.
طشقند 22/7/2009

Inserted from

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s