إرم ذات العماد


Rammanخلال الأسبوع الماضي تراكضت نحوي ثلاثة أفكار تناقض بعضها بعضاً وتحاول كل منها نسف الأخرى، لأنها جميعاً تتحلق حول موضوع واحد هو قوم عاد، هؤلاء الجبابرة المتعالين الذين استكبروا في الأرض بغير حق.

الفكرة الأولى جاءت من مصر في رسالة سعى كاتبها الباحث محمد سمير عطا لتأكيد مصرية قوم عاد وأنهم هم بناة الأهرامات وبقية الآثار المصرية القديمة من عهد الفراعنة.
يستند الكاتب لإثبات فكرته إلى أن قوم عاد إنما كانوا من العمالقة الجبارين الذين يفوق طول الواحد منهم الـ15 متراً والقادرين على قطع وحمل الحجارة الهائلة التي لطالما اعتقدنا أنها قطعت قطعة واحدة تزن مئات الأطنان، لتستخدم كل قطعة كطوب بنيت بها الأهرامات.

رغم منطقية ما جاء في الرسالة المصرية، إلا أن الشائع بين الأوساط العلمية والإسلامية اليوم يقول أن قوم عاد هم السوريون وأن مقر عاد كان دمشق (إرم ذات العماد) التي ينتمي إليها الإله الوثني حدد أو عد أو عاد أو حداد أو حد، حسب مختلف اللهجات القديمة في المنطقة، وإرم هو اسم دمشق باللهجات القديمة وتعني البيضاء، ومنها جاءت كلمة آرام والآرامية فيما بعد.

بينما يشاع عن مصر القديمة أنها كانت ثمود ونعلم قول الله عن ثمود ذي الأوتاد والوتد هو الجبل، والجبل في مصر الذي صنعته ربما حضارة ثمود هو الهرم الذي نراه اليوم من معجزات الإنسانية.
وثمود اسم مدينة يقابلها في اللهجات القديمة المعروفة اليوم ألفاظ ثبو وثب وثيب وتيب وثيف وثف وتاب وتابد وتابت وثابت وطيبة.

مؤخراً علمنا بالكشف العلمي الجديد نسبياً (منذ 20 عاماً) والذي تأكد تماماً منذ عامين، على أن معظم حجارة الأهرامات إنما صبت صباً ولم تنحت من الحجارة الصخرية كما كان ثابتاً سابقاً، ومن يقوم بصب الحجارة وتكوينها من الطين يستطيع القيام بفعله حتى لو كان من غير العمالقة، كما نقوم اليوم ببناء الجسور العملاقة من الخرسانة، والتي يكون في بعضها قطعاً تفوق كثيراً حجم طوب الأهرامات الكبيرة.

أنا لا أنفي وجود العمالقة سابقاً على الأرض، وهذا ثابت قرآنياً وعلمياً من خلال الهياكل المتحجرة المكتشفة حديثاً في مناطق مختلفة من العالم وخاصة في الهند، لكن حين نسمع حوار موسى عليه السلام مع قومه من بني إسرائيل وقد طلب منهم الله مغادرة مصر وفتح فلسطين (ربما) فامتنعوا وأجابوا أن قومها من الجبارين، فهم غادروا مصر التي لا يسكنها الجبارون كي يدخلوا فلسطين التي يعمرها الجبارون العمالقة.

الفكرة الثالثة جاءت من خبر أتى من الصحافة الغربية هذه المرة، وقد صاغ منه السيد فراس نور الحق (محرر موقع الإعجاز في القرآن) مقالاً جمع فيه من الدلائل القرآنية ما يؤكد صحة الخبر، والخبر يدور حول الآثاري الهاوي نيكولاس كلاب الذي زعم أنه اكتشف مدينة إرم الأسطورية ذات العماد، ونيكولاس كلاب هو منتج للأفلام الوثائقية الساحرة التي يبحث فيها عن كل غريب وعجيب، وما ساق نيكولاس إلى اكتشافه المثير هو كتاب “أرابيا فيليكس” لمؤلفه “بيرترام توماس” الباحث الإنجليزي الذي ألفه عام 1932 الذي روى في كتابه ملحمة اكتشافه لآثار مدينة قديمة أسستها واحدة من القبائل البدوية في اليمن وكانت تلك المدينة هي التي يطلق عليها البدو اسم “عُبار” والتي يزعم توماس أنها إرم الشهيرة.

إذا هكذا صار لدينا ثلاث أراء بالبينات، الأول يقول أن عادً كانت في مصر وإرم هي طيبة، والثاني (أنا) يقول أن عادٍ كانت في سورية وإرم هي دمشق، والثالث يقول أن عادٍ كانت في حِضْرمُوت (أرض الينابيع) وأن إرم هي عُبار الدفينة التي لم تستخرج إلى اليوم بالمناسبة بسبب عدم وجود تمويل كافي.

إن الله كفيل أن يظهر الحق مع الأيام والعلم قادر مع تطور الأزمان أن يكشف تفاصيل حكايات القرآن الكريم ومواقعها الحقيقية، فكما قلت سابقاً للأخ فراس ماشفيتش منذ عدة سنوات “كاتب المقال سابق الذكر” فلكل منا بينة… ولكل يوم خبر جديد، ومازلنا نكتشف.

لكنني سأشير أخيراً إلى أن كثيراً من النصوص التاريخية القديمة وخصوصاً اليونانية تشير إلى مدينة دمشق باسم إرميا، وإرم باللغة الآرامية (السريانية) الشرقية تعني البياض حيث “إ” هي أداة التعريف مثل “الـ” في العربية الحديثة، بينما “رَم” تعني بياض ومنها قول الله تعالى : (يحيي العظام وهي رميم) أي شديدة البياض، واللفظة من الإتقان اللغوي حين تضمنت وصف الحالة قياساً إلى الزمن بإضافة ياء وميم التي تفيد بالعربية إلى التدرج في الحالة حتى وقوع الصفة، وعلى وزنها قول حطيم التي تعني تحطم وصار حطاماً بعد أن كان بنياناً. وعليه أتت كلمة رميم في قوله تعالى لتصف أن العظام أصبحت بيضاء وتحولت إلى البياض فلم يبق فيها إلا الكلس بعد أن كانت معمورة لحماً وحياةً من خلايا ومواد عضوية.

ومن المواقع الشهيرة أيضاً ضمن أراضي سوريا (بلاد الشام) وادي رم في الأردن، الذي تعني تسميته وادي البياض لكثرة العظام البيضاء المنثورة على أرضه.

بكل الأحول قد تتعدد المدن وتتشابه وقد يكون على الأرض العديد من إرم، وقد يكون أن قوم عاد انتشروا في الأرض في أكثر من موضع خاصةً وأن الله يخبرنا عن قوم عاد الذين “استكبروا في الأرض بغير حق” صدق الله العظيم.

المقالات المذكورة موجودة على العناوين:
الموقع الرسمي للباحث محمد سمير عطا:
http://www.msatta.com/Aad.html

موقع الإعجاز العلمي في القرآن والسنة – فراس نور الحق:
http://www.55a.net/firas/arabic/?page=show_det&id=29&select_page=1

للمزيد حول حدد السوري
http://en.wikipedia.org/wiki/Hadadمن كتاب نزهة الأنام في محاسن الشام

من كتاب نزهة الأنام في محاسن الشام

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s