تخيل نفسك في غزة


في هذه الأثناء احتفل البعض بعيد ما، لا ألومهم.. فالفرح يخصهم وحدهم

تخيل نفسك وأنت تحمل أطفالك الثلاثة ولم يبلغ الكبير منهم الخمس سنوات، وتضعهم في العراء في يوم شديد البرد غزير المطر. تخيل الم العجز عن توفير شيء أفضل من هذه الحالة لأطفالك. أيَُ يدين تلك التي ستطاوعك على نقل فلذات كبدك من دفء الغرف المغلقة إلى البرد القارص في العراء. هذا ما فعله أب شاب في غزة يوم أمس. أخبروه أن مقر الجمعية القريب من منزله مهدد بالقصف من قبل الاحتلال الصهيوني وأن منزله معرض قصدا أو في جملة التدمير العشوائي لان يقصف أو يصدع. فلم يجد مكانا يضع فيه أطفاله. فكر في حفر نفق، فكر في غرفة لا شبابيك زجاجية لها، فكر في الكثير من الحلول لكن كلها كانت حلولا أخطر لان القصف الجوي أو المدفعي أو القنابل بامكانها في أقل تقدير احداث تصدع في البيت وفي تقدير ارجح أن تهيله بل وتحدث حفرة اسفله. فوجد أن لا طريقة إلا أن يلف أطفاله بما أمكنه من ملايات وشراشف وأغطية ويضعهم في العراء لتوقعه أن في هذه الحالة سيكون الضرر عليهم أقل. قد تقول أخي الآمن الان في بيتك:” لماذا لم يلجأ هذا الشاب إلى بيت آخر لماذا لم يبحث عن ملجأ بعيد يقي فيه اطفاله مصيبة البرد والقصف؟”. لست وحدك من يقول هذا، كثيرون هم اللذين يعلقون على حال غزة بالقول:”ما أحمق أهل غزة، انهم يقفون حيث القصف ولا يختبئون”؟ وكأن الموت الجماعي في غزة اختيار ورغبة شخصية وأن اسرائيل تحاول تجنبهم ولكنهم يعشقون صواريخها ويعشقون رائحة اللحم المحترق وأشلاء الأطفال وخراب البيوت والمساجد والمستشفيات… هذا الأب الشاب عزيزي القارئ مبعد بأمر عسكري من الاحتلال الصهيوني من الضفة الغربية إلى غزة، وكلّ البيوت التي يعرفها هناك مهددة بأخطر مما بيته مهدد به… 
قالت زوجة هذا الشاب: “عندما عدت من المستشفى وجدت زوجي قد وضع أطفالنا في العراء، ثم اطمأن اني أصبحت معهم فغادر إلى بيت عزاء لقريب لنا استشهد في قصف على المسجد. لقد كان زوجي ملئ بالحيوية وكثير الحديث إلى الناس ولكن بعد الحوادث الأخيرة ورؤيته للأشلاء والجنازات التي تشيع العشرات في نفس اليوم تغيّر وأصبحنا نقف طويلا لنسمع منه الكلمة”.
عندما رفعت سماعة الهاتف لأطمئن على هذه الزوجة والأم الصابرة وأخبرها بدعواتي ودعوات كل الناس في الضفة الغربية لأهل غزة كدت أسقط الهاتف من يدي بعد أن أفزعني صوت انفجار قادم عبر الهاتف. سَمِعتْ صوت فزعي فردت بالقول:
“لا تخافي هذا قصف، عادي، نحن نسمعه كثيرا… كيف لو كنت في غزة… ماذا كنت ستفعلين؟” قلت لها: وأطفالك؟ ماذا تقولين لهم عند سماعهم هذا الصوت ومشاهدتهم الدمار؟
قالت: “الصغير أحاول ان أخفي عنه شيء من الواقع، هو يعرف عن ما يجري ولكن ليس بنفس الصورة، فالصورة خارج البيت فضيعة، فأحاول ابعاده بعض الشيء عن الصور والمشاهد. فأقول له مثلا عندما يسمع الصوت أن هذه اعمال بناء عند الجيران. اخوته الأكبر سنا يعرفون كل شيء لانهم يرون الكثير”.
قلت لها: كيف تتدبرين أمور البيت؟
قالت: “لا يوجد طحين، والكهرباء معظم الوقت مقطوعة، وغاز الطبخ على وشك النفاذ، ويحاول زوجي وقت الفجر أن يحصل على بعض الخبر من مخبز هنا وهناك ونحاول تدبر أمرنا لكن ادعو لنا أن لا تستمر هذه الشدة، لانه صعب أن أصف لك كيف سيكون الحال إن استمرت الحال هكذا طويلا، نحن الان نحاول تدبر أمورنا ولكن لدينا القليل لنفعل”.
ثم كررت القول لي: “نحن بحاجة إلى دعاءكم، ادعوا لنا، نحن بحاجة إلى دعائكم، ادعوا لنا”.
ربيحة علان علان
30- 12-2008م
مخيم الجلزون- رام الله
Rabeeha_jineen@yahoo.com | www.arabiancreativity.com/rabeeha.htm

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s