ضيعة ضايعة


220px-Barada_river_in_Damascus_(April_2009)مع أن العنوان وارد في صيغة النكرة وهو يشمل كل ضيعة ضايعة، ولكن بالتأكيد فلن تتذكر الآن إلا معنى واحداً يتصل بأم الطنافس والوليفين السعيدين أسعد وجودي، وعفوفة وزرنطيطة ……
ولا أكتمك بأنني أمتطي هذا العنوان لأكسب مزيداً من القراء، فالحرب خدعة، وإذا طالبني المخرج بتعويض مادي على استخدام عنوان عمله الفاقع فسأذكره بقول الحكيم الأول: انفع جارك بشي ما يضرك.
ولن أتورط بمزيد من الانغماس في الجدل النقدي، فالضيعة الضايعة التي أتحدث عنها هي في الواقع شيء آخر غير أم الطنافس، وهي بالتحديد دمشق الكبرى التي نالت في التاريخ لقب أكبر واحة في الصحراء في العالم، ويبدو أن هذا هو قدرها إلى الأبد!!؟
الكارثة الكبرى في دمشق الآن، ولا يوجد وصف أقل من كارثة!! هي كارثة المياه، الأنهار التي جفت والينابيع التي غارت في الأرض والآبار التي أصبحت عاجزة عن تقديم حاجة السكان، والمياه التي تصل إلى البيوت في جديدة عرطوز مثلاً كل عشرة أيام لا تتعدى ساعات قليلة، والجواب هو الجواب: السنوات قحط والمطر قليل وادعوا الله يبعت الخير؟؟
والواقع أن السبب الحقيقي لنقص المياه في دمشق هو ببساطة الانفجار السكاني المذهل فمن مدينة تروي 250 ألف إنسان كما في التقرير المرفوع إلى عصبة الأمم عام 1935، إلى مدينة يعيش فيها ثمانية ملايين إنسان خلال سبعين عاماً!! وخلال هذه الفترة كان خبراء المياه في سوريا يحوقلون ويحسبلون ويحوصون في منح رخص الآبار التي زاد عددها على 135000 بئر عشوائي في دمشق وريفها، وهو رقم يكفي لتجفيف حوضي بردى والأعوج عالنقطة، ويكفي لتحويل مجاريهما إلى مجارير، وهو بالضبط ما يمكنك قراءته في المرجة والربوة وفكتوريا بل وفي عين الخضراء وعين الفيجة نفسها ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لو افترضنا أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان محافظاً لدمشق وكان يواجه هذا التزايد السكاني الهائل فما هو سلوكه الذي سيبادر به؟ هل سيكتفي بالدعاء والاستسقاء؟؟ أم أنه سيرسم مباشرة خطة لاستجرار المياه اللازمة للنمو السكاني من مناطق الري والخصب؟ من الفرات أو السن الكبير أو التحلية من البحر، وسيكون برنامجاً كهذا على رأس أولويات النبي الكريم، وحين ولي النبي الكريم أمر المدينة لم يكتف ببناء المساجد ونشر المواعظ، لقد كان في برنامجه من البداية خطة دقيقة للري فوض بها طلحة بن عبيد الله الذي تمكن من حفر 54 بئراً في المدينة وتمكن من مضاعفة الرقعة الخضراء في المدينة وبالتالي تأمين موارد مائية مناسبة للقادمين الجدد وتمكن من خلق معادلة دقيقة للتوازن بين التزايد السكاني والحاجة إلى الموارد وبين ما توفر لديه من القوى العاملة الجديدة التي تم توظيفها بحكمة وبراعة كانت كفيلة بتأمين الموارد الغذائية والمائية للمدينة الناشئة!.؟

من يصدق أن دمشق تعاني من العطش!! ؟

كخطيب جمعة ومتخصص في الشريعة أشعر بالحرج حين يقال إن الله هو المسؤول عن هذا النقص لأنه لا يمطرنا!! مع أن فينا الأطفال الرضع والشيوخ الركع والبهائم الرتع!! إن سجل الهطولات منذ مائة عام لم يتغير في سوريا وهناك سنوات خصب وسنوات قحط، وأظن أنه الحال نفسه منذ آلاف السنين في الشام، ولكن الاستهلاك البشري والصناعي هو الذي اختل في الشام ولم نقم نحن كمسؤولين عن المياه باستجرار البديل الكافي في الموارد الطبيعية، وبدلاً من الاضطلاع بمسؤولياتنا ذهبنا نطالب السماء بأن تقوم بمضاعفة الهطولات 40 ضعفاً لتتناسب مع التزايد السكاني في دمشق!!؟
إن الله خلق في هذا العالم سنن وقوانين، وفرضها شعائر تنظم حياة أهل الأرض، ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب.
إننا نتضرع إلى الله أن يسقينا الغيث ولا غنى لنا عن رحمته، ولكن الله نهانا عن الاعتداء في الدعاء، والاعتداء في الدعاء هو أن تدعو بالشيء ولا تأخذ بأسبابه كما علمك الله!؟
ادعوا ربكم تضرعأً وخيفة ولا تعتدوا إنه لا يحب المعتدين.
د. محمد الحبش

  • أضيف على ما ورد أعلاه قبل التعليق، معلومة صغيرة
    أن إحصاء سنة 1960 كرر أن تعداد سكان دمشق هو 250 ألف، مما يعني أن تضاعف عدد السكان الفطري استغرق أقل من أربعين عاماً.. وليس سبعين، علماً أن إحصاء 1978 يحصي في سورية كلها سبعة ملايين سوري وغير سوري

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s